تزوجت ابنتي من شاب أجنبي وهي في الحادية والعشرين من عمرها. ومنذ اثني عشر عامًا لم تعد إلى الوطن ولو مرة واحدة، لكنها كانت ترسل لي كل عام مبلغًا ضخمًا من المال دون أن يتأخر يومًا واحدًا وفي عيد الميلاد الماضي، قررت أن أذهب إليها بنفسي دون أن أخبر أحدًا. لكن عندما فتحت باب منزلها…تجمدت في مكاني. اسمي فاطمة عبد الله، أبلغ من العمر ثلاثة وستين عامًا، وأعيش في مدينة الإسكندرية. ترملت في سن مبكرة، وربيت ابنتي الوحيدة “مريم” بمفردي.
كانت مريم ذكية وحنونة وجميلة، وكان الجميع يتوقع لها مستقبلًا باهرًا. وعندما بلغت الحادية والعشرين من عمرها، تعرفت على شاب أجنبي يُدعى “دانيال لي”. عارضت ارتباطها به في البداية، ليس بسبب جنسيته، او ديانته التي غيرها من اجلها بل لأن الفارق بين عالميهما كان كبيرًا، ولأنني كنت أخشى أن يأخذها بعيدًا عني إلى مكان لا أستطيع الوصول إليه. لكن مريم كانت متمسكة به. وفي النهاية وافقت بعد أن رأيت السعادة في عينيها. أقيم الزفاف في الإسكندرية بحضور عدد محدود من الأصدقاء والأقارب.
وبعد أقل من شهر، غادرت مريم مع زوجها إلى مدينته في يوم السفر احتـ,ـضنتني طويلًا في المطار. بكت كثيرًا. وبكيت أنا أيضًا. لكنني كنت أعتقد أنها ستعود بعد عام أو عامين. لم أكن أعلم أن السنوات ستمر دون أن أراها مرة أخرى. مرت سنة. ثم سنتان. ثم خمس سنوات. ثم عشر سنوات. وفي كل عام كان يصلني مبلغ مالي كبير في حسابي البنكي. ومع المبلغ رسالة قصيرة لا تتغير كثيرًا: “أمي… اعتني بنفسك. أنا بخير.”
كانت تلك الكلمة تحديدًا تقلقني. “أنا بخير.” قصيرة جدًا. باردة جدًا. وكأنها كُتبت على عجل. كان الناس يقولون لي: “ما شاء الله، ابنتك لم تنسك أبدًا.” لكنهم لم يعرفوا أن المال لا يعوض غياب الابنة. كنت أجلس وحدي على مائدة الطعام. وأضع طبقًا إضافيًا أمامي في الأعياد. وأطهو أكلتها المفضلة أحيانًا، ثم أبكي وأنا أنظر إلى الكرسي الفارغ. خلال اثني عشر عامًا لم أتحدث معها إلا مرات قليلة عبر مكالمات فيديو قصيرة. كانت تبدو جميلة وأنيقة.
لكن عينيها كانتا مختلفتين. دائمًا متعبة. ودائمًا تنظر خلفها كأنها تخشى شيئًا. كلما سألتها: متى ستعودين يا مريم؟ كانت تبتسم وتقول: “أنا مشغولة جدًا يا أمي.”ثم تنهي المكالمة. ومع مرور الوقت توقفت عن السؤال. أحيانًا تخـ,ـاف الأم من معرفة الحقيقة. لكن بعد اثني عشر عامًا من الغياب، قررت أن أفعل شيئًا لم أتخيل يومًا أنني سأفعله. قررت السفر إليها.بمفردي.دون أن أخبرها. استخرجت الأوراق اللازمة، وحجزت تذكرة السفر، وبعد رحلة طويلة وصلت كنت خائفة ومتوترة. فهي المرة الأولى التي أغادر فيها بلدي.
استقللت سيارة أجرة إلى العنوان الذي كانت ابنتي ترسله لي منذ سنوات. كان منزلًا من طابقين يقع في حي هادئ للغاية. طرقت الجرس. مرة. مرتين. ثلاث مرات لكن لم يجب أحد. لاحظت أن البوابة لم تكن مغلقة. فتحتها ودخلت. كانت الحديقة مرتبة بعناية، لكن المكان بدا خاليًا بشكل غريب. لا أصوات. لا حركة. لا شيء. اقتربت من الباب الرئيسي. وضعت يدي على المقبض وأخذت نفسًا وفي تلك اللحظة تجمدت في مكاني… حكـايـات أسمـا السـيد @أبرز المعجبين